عن شيء مما يمكن أن يقال..في التجاويف بين اللغة والسياسة، بين الوطن والحزب، بين الفكرة والناس!

لم يدر في ذهني، حتى في أبلغ خيال أو أقصى فنطازيا شعرية، أنه سيقيض لهذا العبد الفقير لرحمة ربه أن يترجم مذكرات عبد الرحيم بوعبيد..
لاسيما وأن القليلين جدا، كما تبين من بعد، كانوا على علم بأن لديه مذكرات مكتوبة، بلغته الفرنسية العاتية..
ولاسيما أيضا، وأن الحزب، والإعلام الحزبي فيه من ذوي الدراية اللسانية المزدوجة، ما لا يترك مذكرات القائد الفذ والاستثنائي في الحقل السياسي الوطني لصدفة بعدية، وتوضيب يكاد يكون عفويا للقاء ابن الرجل البسيط مع قامة سياسة لا تضاهى..
وأول ما فعلت كان هو قراءتها بنهم،
لي
للمناضل الذي بكاه في شوارع العاصمة، مثل اليتيم..
للشاب الذي خرج من أجل أن يكون للاتحاد الخلود، بالشهادة أو بالشمس .. لا فرق!
قرأت وأعدت القراءة، لا من باب التمكن المنهجي، بل لكي تضمخني كلماته وقراءاته لتاريخ البلاد حتى أنضح بما فيها..
كان علي أن أترجم المذكرات وأعرضها على نجله، ليعيد قراءتها ويوشيها بما راكمته المؤسسة .. ومع الحرص أن يظل المضمون قريبا من ترجمة أخرى كان السي محمد البريني أطال الله عمره قد تولى السهر عليها لفائدة الزميلة الأحداث اليومية، كسبق صحافي لا مرادف له..
قرأت ممتنا للمسار الذي غمرني بهذه الميزة..
وترجمت ممتنا لمن علمني أي حرف أو جملة من لغة الضاد أو لغة موليير..
ولهذا أيضا، مازلت ممتنا، كثير الامتنان، للقدر الذي جعل ابنه «علي» يوافق على أن تتولى الجريدة نشرها بعد أن أكون قد قمت بترجمتها ويتولى هو المراجعة والتصويب السياقي لما تقوله اللغة المترجمة…
ومن باب الجمل الاعتراضية، فلم يحدث لي أن كانت الصدفة أو القدر سخيين معي بعد ذلك، إلا مرة واحدة :عندما سيكون لي شرف ترجمة محاضرة عبد الرحمان اليوسفي أطال الله عمره، التي ألقاها في بروكسيل وقال فيها كلمة التاريخ في تجربة التناوب، وهي الترجمة التي تمت رفقة الزميل مصطفى النحال…
هذه الفرصة جعلتني أكتب ذات انزياح
أن الحياة السياسية قد تكون مشهدا لغويا
وتركيبا نحويا لمشاهد من صراع التاريخ!
ففي كلتا المرتين، كانت تبهرني اللغة وتراكيبها في إيجاد المعادلة السياسية.. التي مرت بها شخصية عبد الرحيم وعبد الرحمان..
والترجمة تسمح أيضا بإعادة ترتيب العواطف التي تكون الكثير من الأشياء المتداولة، خطأ أو عمدا، قد صنعتها….
ومن ذلك وقوفي طويلا عندما كتبه عبد الرحيم عن فترة الصراع السياسي، ولاسيما تعديل الدستور، وهو يكتب بأنه لم يجد سوى عبد الرحمان ليتولى توقيع مذكرة المطالبة بتعديل الدستور في ستينيات القرن الماضي، من بين القادة الذين كانوا في مقطورة الاتحاد الوطني..
أعترف بأنها خلقت زوبعة داخلي، في تلك الفترة من بداية قرن الناس الذي مضى..
في الترجمة كنا ندرك بأن المنشور سيكون له وقعه طبعا.. وقد قدم الرجل الضعيف لرحمة ربه لها بالتنبيه، في يناير من 2007، إلى أن في الدفتر الثالث من مذكراته، ُيسلط عبد الرحيم بوعبيد، باعتباره أحد الوطنيين الذي تتبعوا عن كثب وشاركوا ودافعوا عن استقلال البلاد، السياق الدولي والوطني والداخلي لحزب الاستقلال الذي تمت فيه مفاوضات الحرية. ويقدم الفقيد الكبير إضاءات جديدة على أسئلة وتساؤلات متعددة تخص ايكس ليبان وآراء القادة الاستقلاليين وبعض الخفايا التي ترتبط بمفاوضات الاستقلال، وهو يقدم المعطيات التي عاشها ويعيد ربطها بالسياق الذي كانت تتفاعل داخله وقتها. ونكتشف معطيات جديدة، لم تسترع كبير اهتمام من طرف المؤرخين أو الباحثين من قبيل موقف اسبانيا وتكتيكاتها حول القضية المغربية، والحياة التي كان يحياها المقاتلون في منطقة خاضعة منطقيا للاستعمار، لكنها في الوقت ذاته فضاء للتداريب والتخطيط لعمليات المقاومة. في الوقت الذي يكتب المغرب فيه تاريخه، بكثير من الجرأة والشجاعة مع الذات، وبكثير من التمحيص أيضا والمقارنات والتركيبات الدينامية للأحداث والشهادات، تعتبر مذكرات عبد الرحيم مهمة، إن لم نقل مفصلية، في ترتيب الذاكرة وترتيب الفترات التاريخية. ونحن ننشرها، لكي نتلقى بالفعل الآراء والشهادات التي نسعى إلى مناقشة ما ورد فيها من طرف الذين درسوا أو عاشوا الفترة، بالرغم من ندرتهم «...
وكان أحد العناوين التي اخترناها للإعلان عن المذكرات، : أنقذنا وحدة الوطن ولكن وحدة الحزب تصدعت عميقا...

Comments:

0
0
0
s2smodern
powered by social2s