مع اقتراب نهاية كل سنة، أصبحنا نشهد انتفاضة مدينة من المدن أو قرية من القرى، فبعد احتجاجات مدينة الحسيمة و قرية إيمزورن خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2016، بعد مقتل الشاب محسن فكري، ها هي مدينة جرادة تهتز على فاجعة مقتل شقيقين داخل بئر لاستخراج الفحم ، و تخرج ساكنتها للاحتجاج خلال هذا الشهر، ديسمبر، نهاية سنة 2017.

و إذا أصبح هذا التقليد أمرا جاريا به العمل عند اقتراب نهاية كل سنة ميلادية، فعلى الدولة - حكومة، برلمانا و مسؤولين محليين (سلطة و منتخبين) - أن تأخذ احتياطاتها اللازمة و أن تتعود و تستعد لمواجهة هذا الحدث الموسمي و الذي و لابد أن التبعات التي تليه، من حملات للاعتقال و محاكمات و زلازل سياسية تستوجب وضع آليات للتتبع و للمواكبة.

و على سبيل المثال و النكتة، لما لا ؟ خلق محكمة خاصة لهذه الاحداث و نسميها مثلاً "محكمة الاحتجاج"، لأنها فعلاً أحداث خاصة يمتزج فيها الاجتماعي بالسياسي بالاقتصادي بالثقافي و يختلط فيها المتدخلون و تصبح قضايا رأي عام وطني و دولي، كما أن هذا النوع من الإجراءات سيساعد المتتبع على فهم ما هو غير مفهوم حاليا.

صراحة، و نحن نتأسف على هذه الوقائع، تشدنا الحيرة و الدهشة أمام استمرار هذا النوع من التسيب المؤسساتي و غياب المراقبة و ربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية؛ هل سننتظر مرة أخرى أن يتم إقالة وزير؟ أو والي أو عامل أو شيخ أو مقدم؟ هل ستستمر هذه الحكاية إلى ما لا نهاية، و تعاد الكَرّة السنة القادمة؟ أم أن القائمين على الشأن العام سيقفون وقفة تأمل لحبس هذا النزيف؟

إن ما قد نستخلصه من هذه الأحداث يمكن بسرعة تلخيصه في ثلاثة حقائق:

أولا، هناك غياب الطابع الإقليمي في السياسات العمومية، هذه الأخيرة يبدو على انها تصاغ و تركب في مكاتب دافئة على المستوى المركزي و لا تأخذ بعين الإعتبار إشكاليات الواقع المحلي، فبعيدا عن كل ما يتم تقديمه عند ولادة السياسات العمومية من مقاربات تشاركية و تشاورية تبقى كل هذه الأشياء شكليات لتزويق الإخراج الميتافيزيقي. كما ان تنسيق هذه السياسات العمومية و مراقبتها على المستوى المحلي يحتاج إلى إعادة النظر؛ المشكل أكبر من اللامركزية و اللاتمركز، أو من تفويض السلطة أو تفويض الإمضاء، المشكل ليس إدارياً بل سياسياً.

ثانيا، إشكالية التمثيلية الشعبية؛ و هنا يطرح بالفعل شرعية الهيئات المنتخبة، سواء في البرلمان أو في الجماعات، فلاحظوا مثلاً الانتخابات  التشريعية ل 2016، فنسبة المشاركة لم تتجاوز 43% دون الحديث على الهيئة الناخبة (المسجلون فقط)، و دون استحضار الحملات الانتخابية و ما يرافقها من سلوكيات، كما أن كوطا النساء و الشباب معاً تشكل قرابة 28% من مقاعد مجلس النواب أي أنها مقاعد لم تخضع للانتخاب الشعبي الميداني، و بالتالي كيف سنضفي شرعية تمثيلية على هذه الهيئة؟ فبعيداً من كل مزايدات سياسوية وبكل روح و غيرة وطنية لا بد من طرح، و بشكل فوري و عاجل، إشكالية المنظومة الانتخابية على طاولة النقاش، و طاولة النقاش لا يجب أن تكون محصورة على الأحزاب السياسية لأنها جزء من المشكل و ليس من الحل و سبب من أسباب فشل المنظومة الانتخابية الحالية.

ثالثا، يجب تطبيق العدالة، نَعَمْ المجلس الأعلى للحسابات من وظيفته رصد الاختلالات، لكن ليس من اختصاصه محاكمة و متابعة و معاقبة الجناة، هذا الدور منوط بالقضاء، ولابد و أن استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية اليوم، سيساعد بشكل كبير على متابعة و معاقبة المتورطين في ملفات الفساد.

نتمنى أن تدخل سنة 2018 بالأفراح و الخيرات على جميع المواطنات و المواطنين المغاربة، و أن تجد هذه الأصوات المتألمة من يسمعها و يستسيغ لكلامها و أن تنتهي سنة 2018 خيراً وسلاماً على وطننا، المغرب.

Comments:

0
0
0
s2smodern
powered by social2s