إن الحديث الذي يرافق ضرورة بلورة نموذج تنموي جديد بالمغرب لا يخلو من بعض الغموض المرتبط بفهم؛ ماذا يراد بالجديد في هذا السياق؟ هل الجديد هنا يعني تصور تنموي بديل يحل محل التصور التنموي الحالي؟ أم أنه تصور إصلاحي و متطور لهذا الأخير؟ فالمسار الذي اتخذه الاقتصاد الوطني، خصوصا بعد سنوات الثمانينات و برنامج التقويم الهيكلي...

يصب في مسايرة النهج الليبرالي و محاولة الانسجام مع السوق الدولية بفتح السوق الداخلي و تشجيع الاستثمار و المبادرة الخاصة، مع التدرج في تحرير الأثمنة و السياسة المالية وسياسة الصرف. و إذا اعتبرنا هذا الاختيار الاقتصادي نموذجا (مع ما يستلزمه هذا المفهوم من شروط و مقومات) فما هي المنهجية التي ستبنى عليها معالم هذا النموذج الجديد؟ و التي لا يمكن أن تنفصل عن النظرية الاقتصادية و مناهج التحليل و البناء، أو بصيغة أخرى،فهل يمكن فصل السؤال الاقتصادي عن السؤال السياسي في هذا الموضوع؟
إن "النموذج الاقتصادي الحالي" تعرض في العديد من الأوقات لمحاولات التدعيم و التقويم و التصحيح و الإصلاح، ونذكر منها كأمثلة سياسة الاوراش الكبرى و تأهيل المقاولة المغربية و المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و سياسة الاقتصاد التضامني... و تعرض كذلك لمحاولة المراجعة والفهم من خلال تقرير الخمسينية، إلا أنه، و لعدة أسباب، لم يتمكن هذا النموذج الاقتصادي من توفير نتائج مقبولة على مستوى الواقع و خصوصا الواقع الاجتماعي للطبقة المتوسطة و الفقيرة في المغرب، على الرغم من كل السياسات الاجتماعية و القطاعية في هذا المجال، لماذا؟
لانه و بكل بساطة، أن كل القراءات و التحاليل و المراجعات التي تمت، تمت من داخل هذا النموذج الاقتصادي الليبرالي الرأسمالي، و شيء طبيعي أن لا تتمكن هذه القراءات من توفير مشروع اقتصادي بديل و واضح، و قد نفسر هذا على أن الزمن الاقتصادي أطول من الزمن الحكومي مما يجعل مبادرات و إجراءات و قراءات الحكومات المتعاقبة لا يخرج عن "مقاربة وضعية" داخل إطار فكري محدد لا يتيح استشراف رؤية استراتيجية من مشارب فكرية أخرى.
إن النموذج الاقتصادي الحالي و الذي يدفع إلى تشجيع الإنتاج مع الاهتمام بالسياسات التضامنية و الاجتماعية أو ما يسمى "بالديمقراطية الاجتماعية"، لا تخرج عن إطار المدرسة الرأسمالية حيث أنها لا تجد حلول صريحة للتقليص من الفوارق الطبقية، أي أنها لا تعالج إشكالية توزيع الثروة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل فعلي، بقدر ما انها تقتصر فقط على تشجيع تطوير المهارات و تقوية القدرات للوصول إلى عدالة موعودة، و هو ما يسميه بعض الاقتصاديين "بالرأسمالية السعيدة" « Le capitalisme heureux » ، كبديل عن ما بات يعرف "بالرأسمالية المتوحشة"، لكن في واقع الأمر هو البقاء في نفس النظام، النظام الرأسمالي.
إذا النموذج التنموي الجديد هو رؤية استراتيجية تستند على قيم إنسانية و مرجعية فكرية إيتيريدوكسية، و كل تحليل وتبرير في هذا السياق عليه أن يعتمد على  "مقاربة معيارية" للهروب من تقييدات الوضع القائم و أن يضع ثنائية الإنتاج/توزيع الحجرة الأساس لكل بناء جديد؛ فيستحيل بناء نموذج تنموي جديد دون التطرق لإشكالية التوزيع.
أما البقاء في ترتيبات قطاعية أو تجارية أو تسويقية أو تواصلية، هنا و هناك، منفردة كانت أو مندمجة، فلن يعمل إلا على تكريس "الرأسمالية السعيدة" و البقاء في نفس المنظومة وفي نفس الفوارق الطبقية. فإذا كان الغرض من وراء هذا النموذج الجديد هو الإنسان فللإنسان نظمه و مشارفه أما إذا كان الغرض من هذا النموذج الجديد هو البضاعة فللبضاعة أسواقها و أصحابها.

Comments:

0
0
0
s2smodern
powered by social2s