و لقد افتقد الاقتصاد المغربي منذ البداية لمقومات الاقتصاد الرأسمالي، و الذي يعتمد على ثلاثية متلازمة تتشكل من الرأسمال و السوق و الربح، و حتى تتمكن هذه الثلاثية من تأدية وظائفها لا بد أن يكون الرأسمال خاص و السوق حرة و الربح انتاجيا، لكن في غياب هذه المواصفات لا يقبل الحديث عن النموذج التنموي الرأسمالي، كما يستحيل الحديث عن نموذج اقتصادي حالي، بقدر ما يجوز الحديث عن سياسة اقتصادية فقط.

فالتوجه الذي اتخذه الاقتصاد الوطني و الذي أولى اهتماماً أكبر بالقطاع الفلاحي منذ تدشين سياسة السدود التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني خلال منتصف الستينات، علما أن توجها صناعيا كان قد دشن من قبل مع حكومة عبد الله إبراهيم بتأسيس شركة SOMACA لتصنيع السيارات، إلا أن التوجه الفلاحي، و فيما بعد، تلاه توجه خدماتي، هما من طغيا على السياسة الاقتصادية للبلاد.
كما أن سياسة المغربة في بداية السبعينيات و ما تخللها من تنقيل للثروات و خصوصا في المجال الفلاحي خلقت طابعا ريعيا في توزيع و استثمار الثروة، كما خلقت أغنياء محليون بعيدون كل البعد عن مواصفات البرجوازية الأوربية التي ظهرت بين القرن 12 و 13.
و باختصار، هذه الولادة السيئة، لم تساعد الاقتصاد الوطني على الانخراط في النموذج الرأسمالي و الاستفادة من مميزاته، لكنها على عكس ذلك أفرزت عقبات أثرت بشكل سلبي على النمو و التنمية و نذكر منها؛ أولا غياب التنافسية أو غياب السوق الليبرالي الذي يستوعب حركية الرأسمال الخاص و تنافس الأثمنة و حضور الابتكار و ضرورية الجودة حيث أن الدولة ظلت إلى حد بعيد هي المستثمر الوحيد في السوق و بالتالي غياب الرأسمال الخاص و غياب السوق، و بعد فترة المواكبة و المساندة و التأهيل الذي استفادت منها المقاولة المغربية لم تتمكن هذه الأخيرة من التخلص من عباءة المقاولة العائلية، و الحديث هنا يخص المقاولات الكبرى، مما جعل الرأسمال متمركزا و ظلت السوق مغلقة.
و ثانيا، عانى الاقتصاد الوطني من مشكل التبعية و التبعية هنا تأخذ عدة أوجه، الوجه الأول يخص التبعية للأحوال المناخية، و نتذكر كيف تأثر الاقتصاد الوطني من سنوات الجفاف 1980-1984 و ما تلاه ذلك من سياسة التقويم الهيكلي بعد ارتفاع الدين الخارجي و ارتفاع الأسعار، أما الوجه الثاني للتبعية فهو الارتباط الطبيعي بالمؤسسات الدولية المانحة و التي تتدخل في حالة الإعسار عند تسديد الديون أو في حالات الازمات الاقتصادية العالمية، و كذلك التبعية للمحيط الاقتصادي و خصوصا الاتحاد الاوروبي.
و ثالثا، الإشكالية التي عانى منها الإصلاح الفلاحي و المرتبطة بقانونية الأراضي الفلاحية، و خصوصا الأراضي الجماعية و اراضي الكيش و أراضي الحبوس، و التي طرحت مشاكل عدة تتعلق بتقسيم الأراضي و تحديد أصحاب الحقوق و حدود مجالات تدخل الدولة و أحقيتها في استغلال أو بيع هذه الأراضي، هذه الإشكالات لم تساعد، و إلى حدود اليوم، في وضع سياسة فلاحية استراتيجية لأنه لا يمكن وضع هذه السياسة دون إصلاح قانوني كبير و شامل يخص وضعية الأراضي الفلاحية و ذلك باحترام تام للحقوق. و إن سبب هذه الإشكالات يتعلق أساسا بطبيعة الدولة، حيث أنه قبل الاستعمار كان الوجه الوحيد للدولة هو المخزن، أما بعد الاستقلال، فأصبحنا نشهد ثنائية داخل الدولة، الدولة المخزنية من جهة و الدولة المؤسساتية من جهة أخرى، و هو ما فرض نفسه في قوانين المِلكِية، حيث أنها جمعت بين الموروث الديني التقليدي و الموروث الاستعماري المبني على الإدارة و المؤسسات.
إذن هل يمكن الحديث عن نموذج اقتصادي؟ طبعاً لا، لم يكن هناك في يوم ما، نموذج اقتصادي بالمغرب، بل كانت هناك خيارات اقتصادية و سياسية، هي من وجهت المحاولات الإصلاحية بين الفينة و أخرى.
و نحن اليوم بصدد التفكير في بناء نموذج اقتصادي مغربي، يجب أن لا نتناسى هذه العيوب البنيوية، و يجب الوقوف للحديث ؛ أولا، عن نموذج اقتصادي علمي و عملي، و ثانيا، عن مناخ سياسي سليم و مستوعب...

 

Comments:

0
0
0
s2smodern
powered by social2s