المعنى في أن تكون يسارياً يقتضي الانتماء للإيديولوجية الاشتراكية بشكل عام (بمختلف مدارسها)، بمعنى الاقتناع الضمني والتام بالجدلية المادية و حتمية تطور التاريخ، و لهذا يعتبر الفكر الاشتراكي فكرا تقدمياً، طلائعياً، بخلاف الفكر المحافظ و التقليدي الذي يقبع في الماضي و التراث.

هذه القناعة تحتم على الانسان اليساري التقدم بالفكر اليساري في مسلسل التاريخ بوضع أدوات منطقية للتحليل واستعمال الوعي النقدي لبناء التاريخ الجديد، وفي هذا الجهد الفكري بحث مستمر عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق فان الرمزية في الفكر الاشتراكي لا تعمل على الاقتداء إلى حد العبادة كما تعمل على ذلك الثقافة المحافظة (الرسل، الأنبياء، الشيخ، الأب…) بل بالعكس يعمل على تكسير “الدوغم” و خلق “السؤال”، الفكر اليساري لا يعبد و لا يقدس بل يسائل الواقع و يعمل على تغييره نحو ما تقتضيه إرادته (فلسفة البراكسيس).
الانسان اليساري يعتبر التاريخ سيرورة علمية لصراع المتناقضات الاقتصادية والاجتماعية، بمعنى أن التاريخ لا يرادف “الماضي” بقدر ما أن التاريخ “حاضر بماضيه يصنع المستقبل”، من هنا يبدو أن عودة من يسموا أنفسهم “يساريون” للماضي للاستنجاد به لا يختلف كثيراً عما يقوم به دعاة المحافظة و التقليد، و هذا يدل عن عجز فكري كبير لا يسمح بصناعة مشروع مستقبلي عقلاني و عملي.
قد تنطبق الآية القرآنية “لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ” لأنها لا تترجم فقط قدرات هؤلاء الناس بل أيضاً تنسجم و طريقة تخمينهم و ليس تفكيرهم إن لم نقل مزاجيتهم…
هذه العقلية التي أصبحت تطفو فوق إطارات اليسار المعتادة تشبه قطع الفلين التي تطفو فوق سطح الماء التي لم تنتهل بعد من ينبوع اليسار… يؤبنون، يترحمون، يكرمون، يلتئمون، يذكرون، و يحتفون في أحايين كثيرة بذكرى كذا و كذا، نوستالجياً… كلها أعمال في غاية الإنسانية لكنها ليست أعمال سياسية، فإن عاد المحافظ واليساري للماضي؟ فمن يصنع المستقبل؟
العمل السياسي عند الانسان اليساري يطمح لتغيير وإصلاح وضعية الانسان داخل المجتمع، عن طريق إدراك الوعي والوعي النقدي و إذكاء العملية التنظيرية في صناعة المشروع المجتمعي، أما الاكتفاء بترثيل أزليات الهوى في غياهب التاريخ قد ينفع في المعالجة من الامراض النفسية أو يعمقها، حسب الحالات، لكنه لا ينفع في تحقيق الذات السياسية.
في معرض الرسائل المتبادلة بين “برونو كراوسكي” و “أولوف بالم” و “ويلي براند” مؤسسي المدرسة الاشتراكية الديمقراطية و الأممية الاشتراكية و في خضم نقاشهم حول توسيع دائرة المنخرطين في هذه الأممية، حيث اقتصر التفكير في البداية على ضم أحزاب أوروبا الغربية فقط، اقترح “برونو كراوسكي” المغرب باعتباره بلداً تعددياً، أملاً منه في جعل الأحزاب الصديقة في هذا البلد محركاً أساسياً للتطور السياسي داخله.
و لا ينكر جاحد أن الأحزاب اليسارية ساهمت في تطوير الشأن السياسي في المغرب سابقاً، لكن مسلسل الديمقراطية في المغرب مازال مفتوحاً، فما هو العرض السياسي المطروح الآن؟ هل هو العودة للماضي رغم اختلاف الظروف و تشكل مجتمعٍ جديد؟
اليسار جميل لكنه صعب المنال.

Comments:

0
0
0
s2smodern
powered by social2s